محمد سعيد رمضان البوطي
13
فقه السيرة ( البوطي )
الغرض المطلوب . فطير الأبابيل ، يؤول - على الرغم من أنف الآية الصريحة الواضحة - بداء الجدري ، والإسراء الذي جاء به صريح القرآن ، يحمل على سياحة الروح وعالم الرؤى ، والملائكة الذين أمد اللّه المسلمين بهم في غزوة بدر يؤولون بالدعم المعنوي الذي أكرمهم اللّه به ! . . . وآخر المضحكات العجيبة التي جاءت على هذا الطريق ، تفسير النبوة في حياة سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإيمان الصحابة به وعموم الفتح الإسلامي : بأن جميعه لم تكن إلا ثورة يسار ضد يمين . أثارتها النوازع الاقتصادية انتجاعا للرزق وطلبا للتوسع ، وألهبتها ردود الفعل لدى الفقراء ضد الأغنياء وأصحاب الإقطاع ! . . وبعد ، فقد كانت هذه الطريقة في دراسة السيرة النبوية خصوصا ، والتاريخ الإسلامي عموما ، مكيدة خطيرة عشيت عن رؤيتها أعين البسطاء من بعض المسلمين وصادفت هوى وقبولا حسنا عند طائفة أخرى من المنافقين وأصحاب الأهواء . لقد غاب عن أعين أولئك البسطاء ، أن ذلك الهمس الاستعماري الذي يدعو المسلمين إلى ما أسموه بثورة إصلاحية في شؤون العقيدة الإسلامية ، إنما استهدف في الحقيقة نسف هذه العقيدة من جذورها . وغاب عنهم أن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية ، إنما يعني حشوه بمنجزات ناسفة تحيله أثرا بعد عين ، ذلك لأن الوحي الإلهي - وهو ينبوع الإسلام ومصدره - يعدّ قمة الخوارق والحقائق الغيبية كلها . ولا ريب أن الذي يسرع إلى رفض ما قد جاء في السيرة النبوية من خوارق العادات ، بحجة اختلافها عن مقتضى سنن الطبيعة ومدارك العلم الحديث . يكون أسرع إلى رفض الوحي الإلهي كله بما يتبعه ويتضمنه من إخباراته عن النشور والحساب والجنة والنار بالحجة الطبيعية ذاتها ، كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج في عصر ما إلى مصلح يتدارك شأنه ، أو إصلاح . غاب عن هؤلاء الناس هذا كله ، مع أن إدراكهم له كان من أبسط مقتضيات العلم ، لو كانوا يتمتعون بحقيقته وينسجمون مع منطقيته ، ولكن أعينهم عشيت في غمرة انبهارها بالنهضة الأوروبية الحديثة وما قد حف بها من شعارات العلم وألفاظه ، فلم تبصر من حقائق المنطق والعلم إلا عناوينها وشعاراتها ، وقد كانوا بأمس الحاجة إلى فهم كامل لما وراء تلك العناوين وإلى هضم صحيح لمضمون تلك الشعارات ، فلم يعد يستأثر بتفكيرهم إلا خيال نهضة « إصلاحية » تطور العقيدة الإسلامية هنا كما تطورت العقيدة النصرانية هناك . وهكذا ، فقد كان عماد هذه المدرسة الحديثة التي أشرنا إليها بإيجاز ، هباجا في النفس ، أكثر من أن يكون حقيقة علمية مدروسة استحوذت على العقل .